المسلمون ليسوا مدينين لأوباما بشيء
أشرت في العمود السابق في معرض الحديث عن المقال الذي كتبه الدكتور احمد زويل، إلى الفكرة التي انطلق منها ورددها قبله كتاب أمريكيون آخرون، وجوهرها ان أوباما بالخطاب الذي وجهه الى العالم الإسلامي قد قام بواجبه وبرأ ساحته وفرض التحدي على العالم الإسلامي الذي أصبح مطالبا بالرد على التحدي، واثبات أهليته وجدارته بالنهضة والتقدم.
قبل كل شيء، هذه فكرة عنصرية. هي في جوهرها تقوم على افتراض ضمني بأن اوباما في موقع يتيح له ان يحدد للعالم الإسلامي ما يجب وما لا يجب ان يفعله إن أراد النهضة، أو يحدد لنا كيف يجب ان يكون المستقبل.
حقيقة الامر ان أوباما لا يملك مثل هذا الحق من حيث المبدأ، وهو ليس في موقع يتيح له ذلك أصلا. فلا هو أستاذ ونحن في العالم الإسلامي تلاميذ، ولا هو أدرى بشئوننا منا.
هذا من حيث المبدأ. وغير هذا، فإن ملاحظات كثيرة أساسية لابد من ابدائها حول هذه الفكرة وحول القضية بصفة عامة:
بداية، حين خاطب أوباما العالم الإسلامي وتحدث بشكل مقبول قدرناه جميعا عن الإسلام كدين وحضارة، وحين أعرب عن رغبة أمريكا في فتح صفحة جديدة مع الدول الإسلامية قائمة على الاحترام وتبادل المصالح.. حين فعل هذا، فإنه لم يتفضل علينا بشيء.
هو يسعى إلى محاولة تصحيح علاقات أمريكا مع العالم الإسلامي التي خربها جورج بوش في عهده الأسود عبر خطابه الإرهابي العنصري المجرم وحربه الشرسة المعلنة على الاسلام والمسلمين.
بعبارة أخرى، حين تحدث أوباما بهذا الخطاب الجديد عن الإسلام والعلاقات مع المسلمين، لم يكن هدفه مصلحة العالم الإسلامي وتقدمه ونهضته. بداهة، هذا ليس من اهتماماته ولا أولويات سياساته الخارجية.
أوباما ينشد مصلحة الولايات المتحدة أولا وأخيرا، سواء عبر محاولة تحسين صورتها التي أصبحت في نظر المسلمين والعالم كله صورة قبيحة منفرة، أو عبر تحسين العلاقات مع الدول الإسلامية بما من شأنه تحقيق المصالح الأمريكية.
أريد ان أقول انه ليس مقبولا ولا هو صحيح أصلا ما يردده بعض الكتاب الأمريكيين من محاولة تصوير خطاب أوباما إلى العالم الإسلامي كما لو انه قدم إلى المسلمين خدمة عظيمة يجب ان يردوا عليها بالمثل. وليس مقبولا ولا هو صحيح من الأصل ما يصوره الدكتور زويل من ان أوباما واجه العالم الإسلامي بتحدي التقدم والنهضة، وان علينا ان نرد على التحدي.
لا.. أوباما لم يقدم لنا نحن العرب والمسلمين خدمة كبرى.. نحن المسلمون لسنا مدينين لأوباما وأمريكا بشيء كي نكون مطالبين برد الدين.
في السنوات الطويلة الماضية من عمر الهمجية الأمريكية، لم نكن نحن المسلمون متهمين، كي نكون مطالبين اليوم برد التهمة عن أنفسنا وبإثبات براءتنا منها.. لم نرتكب جريمة، كي نكون مطالبين اليوم بالتكفير عنها.
هم الأمريكيون الذين في موضع تهمة.. بعض الكتاب الأمريكيين كتبوا، في معرض حديثهم عن الرد الإسلامي المنتظر على خطاب أوباما عن انه قال ان الإسلام ليس دين إرهاب، وان المسلمين يجب ان يثبتوا ذلك الآن.. لا.. أمريكا هي الإرهابية.. هي التي مارست ضدنا اشنع وأفظع صنوف الإرهاب، وهي المطالبة بإثبات انها لم تعد ارهابية في عهد اوباما.
أمريكا هي التي ارتكبت بحقنا.. بحق دولنا وشعوبنا الإسلامية أبشع جرائم الحرب والابادة .. هم المطالبون بأن يثبتوا، ان استطاعوا، انهم لم يعودوا مجرمين، أو انهم يريدون الا يكونوا مجرمين.
باختصار، ليس مقبولا كما قلت ان يأتي أحد ويقول لنا إن أوباما تحدانا وأشار إلينا إلى طريق الإصلاح والتقدم، وان علينا اثبات جدارتنا وأهليتنا.
بقيت نقطة مهمة تتعلق بالقول إن مسئولية التقدم والنهضة في الدول الإسلامية هي مسئولية المسلمين أنفسهم، وان أمريكا لا تتحمل أي مسئولية هنا.
بالطبع، هذا صحيح من حيث المبدأ. لكن هنا أيضا كلام مهم يجب ان يقال.
للحديث بقية.